أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

324

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

659 - ليس العطاء من الفضول سماحة * حتّى تجود وما لديك قليل « 1 » قال : « تقديره : إلا أن تجود » . واعلم أن « حتى » تكون حرف جر بمعنى إلى كهذه الآية ، وكقوله : حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ « 2 » وتكون حرف عطف وتكون حرف ابتداء فتقع بعدها « الجمل كقوله » : 660 - فما زالت القتلى تمجّ دماءها * بدجلة حتّى ماء دجلة أشكل « 3 » والغاية معنى لا يفارقها في هذه الأحوال الثلاثة « فلذلك لا يكون ما بعدها » إلا غاية لما قبلها : إما في القوة أو الضعف أو غيرهما ، ولها أحكام ستأتي - إن شاء اللّه تعالى - و « إنما » مكفوفة بما الزائدة ، فلذلك وقع بعدها الجملة ، وقد تقدم أن بعضهم يجيز إعمالها ، والجملة في محل نصب بالقول ، وكذلك : « فلا تكفر » . قوله : فَيَتَعَلَّمُونَ في هذه الجملة سبعة أقوال : أظهرها : أنها معطوفة على قوله : وَما يُعَلِّمانِ والضمير في « فيتعلمون » عائد على « أحد » وجمع حملا على المعنى نحو قوله : فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ « 4 » . فإن قيل : المعطوف عليه منفي ، فيلزم أن يكون « فيتعلمون » منفيا أيضا لعطفه عليه ، وحينئذ ينعكس المعنى . فالجواب ما قالوه ، وهو أن وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا وإن كان منفيا لفظا فهو موجب معنى ، لأن المعنى : يعلمان الناس السحر بعد قولهما : إنما نحن فتنة ، وهذا الوجه ذكره الزجاج وغيره . الثاني : أنه معطوف على يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ قاله الفراء . وقد اعترض الزجاج هذا القول بسبب لفظ الجمع في « يعلمون » مع إتيانه بضمير التثنية في « منهما » يعني فكان حقه أن يقال : « منهم » لأجل « يعلمون » وأجازه أبو علي وغيره وقالوا : لا يمتنع عطف « فيتعلمون » على « يعلمون » وإن كان التعليم من الملكين خاصة ، والضمير في « منهما » راجع إليهما ، فإن قوله « منهما » إنما جاء بعد تقدم ذكر الملكين ، وقد اعترض على قول الفراء من وجه آخر : وهو أنه يلزم منه الإضمار قبل الذكر ، وذلك أن الضمير في « منهما » عائد على الملكين وقد فرضتم أن « فيتعلمون منهما » عطف على « يعلمون » فيكون التقدير : « يعلمون الناس السحر فيتعلمون منهما » فيلزم الإضمار في « منهما » قبل ذكر الملكين ، وهو اعتراض واه فإنهما متقدمان لفظا ، وتقدير تأخرهما لا يضر إذ المحذور عود الضمير على غير مذكور في اللفظ . الثالث : وهو أحد قولي سيبويه - أنه عطف على « كفروا » و « كفروا » فعل في موضع رفع ، فلذلك عطف عليه فعل مرفوع قال سيبويه : « وارتفعت « فيتعلمون » لأنه لم يخبر عن الملكين أنهما قالا : لا تكفر فيتعلموا ليجعلا كفره سببا لتعلم غيره ، ولكنه على : كفروا فيتعلمون » وشرح ما قاله هو أنه يريد أن ليس « فيتعلمون » جوابا لقوله : « فلا تكفر » فينتصب في جواب النهي كما انتصب : فَيُسْحِتَكُمْ « 5 » بعد قوله : « لا تفتروا » لأن كفر من نهياه أن يكفر ،

--> - البغية ( 1 / 130 - 137 ) . ( 1 ) البيت للمقنع الكندي انظر الهمع ( 2 / 9 ) ، العيني ( 4 / 412 ) ، الدرر ( 2 / 6 ) ، حاشية يس ( 1 / 272 ) . ( 2 ) سورة القدر ، آية ( 5 ) . ( 3 ) البيت لجرير انظر ديوانه ( 344 ) ، الخزانة ( 9 / 477 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 8 / 18 ) ، الهمع ( 1 / 248 ) ، الدرر ( 1 / 207 ) ، الأشموني ( 3 / 300 ) ، التهذيب ( 1 / 22 ) ، ( شكل ) . ( 4 ) سورة الحاقة ، آية ( 47 ) . ( 5 ) سورة طه ، آية ( 61 ) .